السيد محمد حسين فضل الله

56

من وحي القرآن

الذي أنزله اللَّه بدلائله وبرهانه . ولكن لما ذا يتحدث الكافرون بهذه الطريقة ؟ ويقدمون هذه الاقتراحات ؟ هل المسألة هي مسألة مزاج ذاتيّ ، أو مسألة عناد وتعنّت ، أو هي مسألة إيمان واقتناع ؟ فإذا كانت المسألة مزاجا وعنادا ، فإن اللَّه لا يستجيب لذلك ، لأن الرسالات لم تأت لتعالج حالات مزاجية ، أو عقدا نفسية ، بل جاءت للتخطيط لمسيرة الإنسان الإيمانية في خط الفكر والعمل ، وإذا كانت القضية إيمانا في ما يريد اللَّه أن يمهّده من وسائل الإيمان ، فإن للقرآن دلائله وبراهينه التي تؤكد أساس الإيمان وقاعدته ، وحركته وآفاقه ، وليس للناس من الأمر شيء في ذلك كله ، وفي غيره بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً في ما يريد وفي ما لا يريد ، بعيدا عن كل ما يقترحونه ، أو ما يريدونه . أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا وقد جاء في تفسيرها ، أن المراد بكلمة « ييأس » يعلم أو يتبين ، على لغة هوازن ، وربما كان المراد منها معناها اللغوي المعروف من اليأس في مقابل الأمل والرجاء على سبيل الكناية عن المعرفة ، باعتبار أن نفي اليأس يؤكد الرجاء الذي يقترب بالفكرة من حركتها في صعيد الفكر والواقع ، الذي يؤدي إلى المعرفة الإيمانية بأن اللَّه قادر على أن يهدي الناس جميعا إلى خط الإيمان بالوسائل التكوينية الضاغطة على فكر الإنسان وإرادته ، فلا يملك فكاكا ، ولا يستطيع انفصالا عن الخط ، أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً بالجبر والإكراه ، ولكن اللَّه العزيز الحكيم اقتضت حكمته أن يجعل مسألة الإيمان خاضعة للإرادة والاختيار ، بعد إقامة الحجة ، بكل وسائل المعرفة ، ليهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيى من حيّ عن بيّنة . وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا وتمرّدوا وواجهوا الرسول بالتكذيب تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ من أنواع البلاء التي يرسلها اللَّه إليهم في الدنيا فتقع عليهم ، أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ لتملاهم بالخوف ، ولتوحي إليهم بقدرة اللَّه عليهم ، وتؤكد لهم أنهم أضعف من أن يتمرّدوا على اللَّه ، أو يعاندوا وحيه ، فيشغلهم بأنفسهم وبمشاكلهم ، حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ بالنصر من عنده إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ